مولي محمد صالح المازندراني

6

شرح أصول الكافي

العذاب المقدّر عليهم رحمة فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم وذلك لمّا آمنوا به وتضرّعوا إليه . قال : وأمّا الريح العقيم فإنّها ريح عذاب لا تلقح شيئاً من الأرحام ولا شيئاً من النبات وهي ريح تخرج من تحت الأرضين السبع وما خرجت منها ريح قطُّ إلاّ على قوم عاد حين غضب الله عليهم فأمر الخزّان يخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم ، قال : فعتت على الخزّان فخرج منها على مقدار منخر الثور تغيّظاً منها على قوم عاد ، قال : فضجّ الخزّان إلى الله عزّ وجلّ من ذلك فقالوا ربّنا إنّها قد عتت عن أمرنا إنّا نخاف أن تهلك من لم يعصك من خلقك وعمّار بلادك ، قال ، فبعث الله عزّ وجلّ إليها جبرئيل ( عليه السلام ) فاستقبلها بجناحيه فردّها إلى موضعها وقال لها : أخرجي على ما أُمرت به ، قال : فخرجت على ما اُمر به ، وأهلكت قوم عاد ومن كانت بحضرتهم . * الشرح : ( فإن شاء الله عز وجلّ أن يجعل العذاب من الرياح رحمة فعل ولن يجعل الرحمة من الريح عذاباً ) لعلّ المراد أن من استحق العذاب بسبب خصلة قبيحة ربما يستحق الرحمة بإزالة تلك الخصلة وكسب خصلة حسنة فلا يصل إليه العذاب بخلاف من استحق الرحمة والإحسان بسبب خصلة حسنة فإنه تصل إليه الرحمة وإن زالت عنه تلك الخصلة لأن الله لا يضيع عمل عامل ، أو المراد أنه إذا أرسل ريح العذاب يجعله رحمة بزوال سبب العقاب وأمّا إذا أرسل ريح الرحمة فلا يجعلها عذاباً بزوال سبب الرحمة وحدوث سبب العذاب ، ومنه يظهر سر سبق رحمته على غضبه . ( وذلك أنه لم يرحم قوماً قطّ أطاعوه وكانت طاعتهم إياه وبالاً عليهم إلاّ من بعد تحولهم من طاعته ) ذلك إشارة إلى المذكور وهو جعل العذاب رحمة وأطاعوه صفة لقوماً والواو في قوله « وكانت » للحال بتقدير « قد » ، والوبال الشدة والمصيبة وسوء العاقبة والعمل السئ والطاعة لاعلى وجه مطلوب وبال على صاحبه كطاعة أهل الخلاف ، وفيه دلالة على أن هذه الطاعة وإن كانت معصية استحقوا بها العذاب إلاّ أنهم لو تحولوا عنها أدركتهم الرحمة ولم يعذبهم بها ، وإنما ذكر هذه المعصية ليقاس عليها غيرها . ( بعد ما قد كان قدر عليهم العذاب وقضاه ) أي قضاه قضاء غير محتوم ولم يبلغ حد الإمضاء إذ لا دافع بعده . ( فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم آه ) قال بعض المفسرين روي أن يونس ( عليه السلام ) بعث إلى أهل نينوى وهي - بكسر الأول - قرية بالموصل فكذبوه وأصروا عليه فوعدهم العذاب إلى ثلاث وقيل إلى أربعين فذهب عنهم مغاضباً فلما دنا الوعد غامت السماء غيماً أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشى مدينتهم وتسود سطوحهم فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وأخلصوا وتضرعوا إلى الله